الفيض الكاشاني
299
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء
تعالى : « ولا تأخذكم بهما رأفة في دين اللَّه » ( 1 ) بل من فقد الغضب عجز من رياضة نفسه لا تتمّ الرّياضة إلا بتسليط الغضب على الشهوة حتّى يغضب على نفسه عند الميل إلى الشهوات الخسيسة ففقد الغضب مذموم وإنّما المحمود غضب ينتظر إشارة العقل والدّين فينبعث حيث تجب الحميّة وينطفي حيث يحسن الحلم ، وحفظه على حدّ الاعتدال هو الاستقامة الَّتي كلَّف اللَّه تعالى بها عباده وهو الوسط الَّذي وصفه رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم حيث قال : « خير الأمور أوساطها » ( 2 ) فمن مال غضبه إلى الفتور حتّى أحسّ من نفسه بضعف الغيرة وخسّة النفس في احتمال الذّل والضيم ( 3 ) في غير محلَّه فينبغي أن يعالج نفسه حتّى يقوى غضبه ومن مال غضبه إلى الإفراط حتّى جرّه إلى التهوّر واقتحام الفواحش فينبغي أن يعالج نفسه لينقص من سورة الغضب ويقف على الوسط الحقّ بين الطَّرفين فهو الصّراط المستقيم ، وهو أدقّ من الشعر وأحدّ من السّيف فإن عجز عنه فليطلب القرب منه قال اللَّه تعالى : « ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النّساء ولو حرصتم فلا تميلوا كلّ الميل فتذروها كالمعلَّقة » ( 4 ) فليس كلّ من عجز عن الإتيان بالخير كلَّه ينبغي أن يأتي بالشرّ كلَّه ، ولكن بعض الشرّ أهون من بعض ، وبعض الخير أرفع من بعض ، فهذه حقيقة الغضب ودرجاته . * ( بيان ان الغضب هل تمكن إزالة أصله بالرياضة أم لا ) * اعلم أنّه قد ظنّ ظانّون أنّه يتصوّر محو الغضب بالكلَّية وزعموا أنّ الرّياضة إليه تتوجّه وإيّاه تقصد ، وظنّ آخرون أنّه أصلا لا يقبل العلاج وهذا رأي من يظنّ أنّ الخلق كالخلق وكلاهما لا يقبل التغيير وكلا الرّأيين ضعيف ، بل الحقّ فيه ما نذكره وهو أنّه ما بقي الإنسان يحبّ شيئا ويكره شيئا فلا يخلو عن الغيظ والغضب ، وما دام يوافقه شيء ويخالفه آخر فلا بدّ من أن يحبّ ما يوافقه ويكره ما
--> ( 1 ) النور : 2 . ( 2 ) أخرجه البيهقي في الشعب مرسلا وقد تقدم . ( 3 ) الضيم : الظلم . ( 4 ) النساء : 129 .